ابو القاسم عبد الكريم القشيري
304
لطائف الإشارات
مثل السوء للكفار الذين جحدوا توحيده فلهم صفة السوء . وللّه صفات الجلال ونعوت العزّ ، ومن عرفه بنعت الإلهية تمّت سعادته في الدارين ، وتعجلت راحته ، وتنزّه سرّه على الدوام في رياض عرفانه ، وطربت روحه أبدا في هيجان وجده . أمّا الذين وسموا بالشّرك ففي عقوبة معجّلة وهموم محصّلة . « وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ . . . » أي لو عاملهم بما استحقوا عاجلا لحلّ الاستئصال بهم ، ولكنّ الحكم سبق بإمهالهم ، وسيلقون غبّ أعمالهم في مآلهم . قوله جل ذكره : [ سورة النحل ( 16 ) : آية 62 ] وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ما يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنى لا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ ( 62 ) انخدعوا لمّا لان لهم العيش ، فظنوا أنهم ينجون ، وبما يؤمّلونه يحيطون ؛ فحسنت في أعينهم مقابح صفاتهم ، ويوم يكشف الغطاء عنهم يعضون بنواجذ الحسرة على أنامل الخيبة ، فلا تسمع منهم دعوة ، ولا تتعلق بأحدهم رحمة . قوله جل ذكره : [ سورة النحل ( 16 ) : آية 63 ] تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ( 63 ) أنزل هذه الآية على جهة التسلية للنبي - صلى اللّه عليه وسلم ؛ وذلك أنه أخبر أن من تقدّمه من الأمم كانوا في سلوك الضلالة ، والانخراط في سلك الجهالة كما كان من قومه ، ولكن اللّه - سبحانه - لم يعجز عنهم . وكما سوّل الشيطان لأمّته ، وكان وليا لهم ، فهو ولىّ هؤلاء وأمّا المؤمنون فاللّه وليّهم ، والكافرون لا مولى لهم .